الشيخ الأصفهاني
409
نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ق )
وأما الكلام في الثاني أعني انقلاب النسبة في الصورتين وعدمه ، فتوضيح الحال فيه : أن اللفظ بواسطة الوضع يكون قالبا بالقوة للمعنى ، ووجها له ، فيكون ظهور المعنى وبروزه به . هذا هو الظهور المحفوظ دائما ، ولو مع استعمال اللفظ في غير معناه مع القرينة . ولا يزول هذا الظهور الذاتي الوضعي ، الا بهجر المعنى . وبواسطة الاستعمال يكون الظهور فعليا ، فاما في نفس ما هو ظاهر فيه بذاته ، وبالقوة ، وإما في غيره بملاحظة القرينة . وهذا الظهور الفعلي أيضا لا ينقلب عما هو عليه ، فإنه من شؤون ايجاد المعنى باللفظ والموجود لا ينقلب عما هو عليه . الا أن هذين الظهورين مربوطان بنفس المعنى ، لا بإرادة المعنى من اللفظ جدا ، فان الإرادة الجدية غير الإرادة الاستعمالية ، وأصالة الظهور لا تجدي الا لإحراز إرادة المعنى من اللفظ استعمالا ، لا إرادته منه جدا والحجية مربوطة بالثانية . فان مقتضى الأصل العقلائي - في باب المحاورات المبنية على الإفادة والاستفادة - كون الظاهر كاشفا نوعيا عن الإرادة الجدية ، كما أن مقتضى الوضع أو القرينة كونه مستعملا فيما هو ظاهر فيه ذاتا أو عرضا ، والمعارضة والحجية ، وتقديم إحدى الحجتين على الأخرى ، من شؤون هذه الكاشفية النوعية عن المراد بالإرادة الجدية ، والا فمجرد الاستعمال لا حجية فيه ، حتى يتصور التعارض في الدليلين والحجتين ، أو تقديم حجة على حجة . ومنه تعرف أن عدم انقلاب الظهور وما يترب عليه ليس له دخل في انقلاب النسبة التي هي مبنى التعارض والترجيح الا بالنظر إلى مآل الأمر ونتيجته . وذلك : لأن القاء الظاهر - في مقام الإفادة والاستفادة - كاشف طبعي نوعي عن إرادة الظاهر حقيقة وجدا ، وهذه الكاشفية النوعية ملاك الحجية ، دون الكاشفية الفعلية الشخصية ، فالقطع بعدم إرادة العموم ، أو قيام الحجة على عدم ارادته ، ينافي كشفه الفعلي عن إرادة العموم لا كشفه النوعي ، ومع انحفاظ كشفه - النوعي العمومي - يعامل مع الخاص الآخر هنا معاملة العام مع الخاص ، ولا فرق بين أن يكون المتكلم عن عادته إفادة مرامه بشخصين من كلامه ، أو لم يكن